مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-٧٥-

رسالتا بولس الرسول إلى تيموثاوس

 

(الجزء الأول)

 

مقدمة عامة

1- بولس(1) وتيموثاوس:

ترجع علاقة القديس بولس بتلميذه تيموثاوس (معنى اسمه شرف الله Timo-Theos أو من يكرم الله) إلى بداية رحلته الثانية (51- 54م)، التي سجلها القديس لوقا في سفر الأعمال (15: 36- 18: 22)، والتي بدأها القديس بولس من أنطاكية مجتازاً في سورية وكيليكية حتى وصل إلى دربة ولسترة من إقليم غلاطية في آسيا الصغرى.

على أن علاقة القديس بولس بلسترة تعود إلى الرحلة الأولى مع برنابا (أع 14: 8- 21) دون ذكر لتيموثاوس، وإن كان من المحتمل أنه أقام أثناء وجوده في لسترة في بيت تيموثاوس، لأنه كان يعرف جيداً جدته لوئيس وأمه أفنيكي المؤمنتيْن (2تي 1: 5)، ولابد أن تيموثاوس كان وقتها صبياً صغير السن، ونال القديس بولس إعجابه والتأثر به، حتى كان الارتباط في الرحلة الثانية.

في لسترة كان اللقاء مع "تلميذ كان هناك اسمه تيموثاوس" (أع16: 1)، أي أنه، قبل أن يلتقيه، كان مؤمناً، ذلك أن أمه كانت يهودية آمنت بالرب([1]) ولكن أباه كان يونانياً. ويسجل سفر الأعمال عنه أنه كان "مشهوداً له من الإخوة الذين في لسترة وأيقونية" (أع 16: 2).

رأى القديس بولس في تيموثاوس، الشاب المتألق حماساً لخدمة الرب([2])، معاوناً أعدته له نعمة الله، من ثم أراد أن يرافقه في خدمته. ولأنه كان مزمعاً أن يكرز وسط يهود هذه المناطق الذين يعرفون تيموثاوس أن أباه يوناني، لذا أخذه القديس بولس وختنه لكي ييسر خدمته معه ويتفادى مقاومة اليهود (أع16: 3).

واجتاز القديس بولس مع رفاقه وضمنهم الآن تيموثاوس في فريجية وكورة غلاطية. وإذ تعثرت خدمتهم في آسيا، عبروا من ترواس إلى مكدونية، تلبية لنداء رجل مكدوني في رؤيا ليلية، رأوه دعوة إلهية لكرازتها.

وفي فيلبي، المستعمرة الرومانية وأولى مدن مكدونية، كانت أولى بشائر الإيمان في أوروبا: "ليدية" بائعة الأرجوان المتعبدة لله التي "فتح الرب قلبها لتصغي إلى ما كان يقوله بولس... واعتمدت هي وأهل بيتها" (أع16: 14، 15).

بعدها، كما هو معروف، أدى حادث الجارية (التي بها روح عرافة، الذي طرده منها الرسول بولس, مما أهاج عليه مواليها الذين كانوا يتكسبون من ورائها) إلى أن يُقتاد القديس بولس وسيلا رفيقه إلى السجن، بعد الضرب بالعصى. وفي نصف الليل انفتحت أبواب السجن وتزعزعت أساساته وانفكت قيود الجميع، ثم كان إيمان حافظ السجن، وخروجهما من السجن (أع16: 16-40) ثم انتقالهما إلى تسالونيكي، التي بشر فيها بولس اليهود في مجمعهم ثلاثة سبوت، فأثاروا فتنة بسبب قبول الكثيرين للإيمان، مما جعل الإخوة يرسلون بولس وسيلا إلى بيرية، حيث أثمرت الكرازة إيمان الكثيرين (أع 17: 3-12). فجاء يهود تسالونيكي يهيجون الجموع، مما اضطر الإخوة لإرسال بولس إلى أثينا. وبقى سيلا وتيموثاوس يستكملان الخدمة في بيرية وتسالونيكي على أن يلحقا ببولس (أع 17: 14)، ولحقه تيموثاوس بالفعل (18: 5).

وبعد كرازته في أريوس باغوس، مضى القديس بولس من أسيا إلى كورنثوس التي بقى فيها يعلم بكلمة الله سنة وستة أشهر. ومن كورنثوس (سنة 52م) كتب رسالتيه [وكان معه وقتها سلوانس (سيلا) وتيموثاوس]، إلى تسالونيكي (والتي ربما تُعتبر أولى رسائله الأربع عشرة) والتي يشير فيها إلى أنه استحسن أن يُترك وحده في أثينا ويرسل "تيموثاوس" أخانا، وخادم الله، والعامل معنا في إنجيل المسيح، حتى يثبّتكم ويعظكم لأجل إيمانكم، كي لا يتزعزع أحد في هذه الضيقات، فإنكم أنتم تعلمون أننا موضوعون لهذا" (1تس 1:1، 3: 1-6) وأن تيموثاوس عاد "وبشرنا بإيمانكم ومحبتكم..." (1تس 3: 6).

وفي رحلته الثالثة، أرسل القديس بولس تيموثاوس وأرسطوس مرة أخرى ليخدما في مكدونية (تسالونيكي) (أع 19: 22). كما كان حاضراً المجمع لأجل أورشليم (أع20: 4)، ولازم بولس في كورنثوس أثناء كتابة الرسالة إلى رومية (رو16: 21)، وأرسله القديس بولس إلى كورنثوس المضطربة (1كو 4: 17، 16: 10). وكان مع بولس أثناء كتابة الرسالة الثانية إلى كورنثوس (2كو 1: 1، 19، 1تس 1: 1، 3: 2، 6)، كما كان مع القديس بولس عندما كتب رسالته إلى فيلبي، وكان مزمعاً أن يرسله إلى فيلبي (في 1: 1، 2: 19-22)، كما رافق القديس بولس عند كتابة رسالتيه إلى كنيسة كولوسي ولفليمون (كو1: 1، فل 1).

 

2- عن رسالتي القديس بولس إلى تيموثاوس:

بينما كانت معظم رسائل القديس بولس مرسلة إلى كنائس (رومية، كورنثوس، غلاطية، أفسس، فيلبي، كولوسي)، فإن هاتين الرسالتين كانتا ضمن الرسائل الموجهة إلى أشخاص بعينهم، والتي وُضعت متتالية في الكتاب: تيموثاوس، تيطس، فليمون. وإن لم تكن هذه الرسائل في الواقع شخصية بالمعنى الدقيق لأنها في أكثر ما تحتويه تتعلق بالخدمة والعمل الإلهي والتوجيه الروحي والالتزام بالإيمان المسيحي، وعدا الرسالة إلى فليمون، فتكاد لا تحوي أموراً خاصة إلا القليل.

فيقول لتيموثاوس (1تي 3: 15) "لكي تعلم كيف يجب أن تتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي" فهي كأنها رسالة رعوية من رئيس الأساقفة إلى أحد أساقفة الكنيسة (أفسس)، يتابع خدمته ويرشده إلى الأفضل، فيما يتعلق برعاية شعب الله وتنظيم العمل الكنسي، والتعامل مع مشكلات الخدمة، خاصة أن الكنيسة الوليدة تكاد تكون كجزيرة صغيرة في بحر مائج من الحياة الوثنية (أو المقاومة اليهودية) التي تهدد وجودها، ومن هنا كان التحفظ من التعاليم والهرطقات المضلة والارتداد عن الإيمان([3]) (1تي 1: 19، 20، 4: 1-7، 6: 3- 5، 2تي 3: 8).

وسنلاحظ في الرسائل إلى تيموثاوس وتيطس أن هناك درجة متقدمة من التنظيم الكنسي. فهناك شيوخ (1تي 5: 1، 17-19، تي 1: 5-7)، وهناك أساقفة أو نظار (1تي 3: 1-7، تي1: 7-16)، وهناك شمامسة (1تي 3: 8-13)، وكل منهم له شروطه الخاصة. وهناك تنظيم مالي كي ينال الخادم أجرته خاصة "المدبرون حسناً" (1تي 5: 17، 18) وأيضاً عن محاسبة من يخطئون منهم (1تي 5: 19-22).

وهو يبث في تيموثاوس الثقة والقدرة على تحمل مسئولية الخدمة وأن يكون قدوة للمؤمنين رغم حداثة سنّه (1تي 4: 12) وأن يعكف على الكلمة والتعليم ليكون مؤهلاً لموقعه المتقدم في الكنيسة (1تي 4: 16).

وتحوي رسائل القديس بولس إلى تيموثاوس وتيطس على نصوص العقائد الرئيسية في الإيمان المسيحي فيما يتعلق بالتجسد ونعمة الخلاص والفداء والقيامة والصعود وشفاعة المسيح ومجيئه الثاني وصدق كلمة الله (1تي 1: 15-17، 2: 4-6، 3: 16، 6: 14-16، 2تي 1: 9، 10، 2: 10-13، 3: 16، تي 2: 11-14، 3: 4- 7)؛

فضلاً عن توجيهات للصلاة من أجل الحكام "لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة" (1تي2: 1، 2)، كما فعل من قبل في رسالته إلى رومية (13: 1-7) حاثاً على الخضوع للسلطات والالتزام بالقوانين ودفع الضرائب، وعن شروط الأسقف والشماس، ونصائح في السلوك والعبادة للرجال والنساء (1تي 2: 8-15)، والتعامل مع الشيوخ والعجائز (5: 1، 2)، وضوابط عند رعاية الأرامل (1تي 5: 3-16). وربما كان الأمر الشخصي الوحيد في الرسالة هو نصيحته لتيموثاوس بعلاج معدته وأسقامه الكثيرة (رغم شبابه) ("استعمل خمراً قليلاً" 1تي 5: 23) التي يراها بعض المستهترين رخصة لشرب الخمر، رغم إدانة الكتاب للسكر بالخمر وما كتبه القديس بولس نفسه من قبل ("ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة" أف5: 18). (يتبع)



(1) أكد نسبة هاتين الرسالتين إلى القديس بولس، كل من الآباء أغناطيوس وبوليكاربوس وترتليان وإكليمندس السكندري.

([1]) وهو في رسالته الثانية يشير ممتدحاً ليس فقط أمه بل وجدته كلاهما بالاسم "أتذكر الإيمان العديم الرياء الذي فيك الذي سكن أولاً في جدتك لوئيس وأمك أفنيكي ولكني موقن أنه فيك أيضاً" (2تي 1: 4، 5).

([2]) يصفه في الرسالة الأولى: "الابن الصريح في الإيمان" (1تي 1: 2)؛ ويكتب عنه في رسالته الثانية معبراً عن محبته ومشيداً بتقواه: "مشتاقاً أن أراك ذاكراً دموعك لكي أمتلئ فرحاً" (2تي 1: 4).

([3]) الهرطقة التي شاعت هي ما يعرف بالغنوسية Gnosticism التي تنادي بأن المادة شر والروح هي الصالحة، وبالتالي فالجسد شرير. ويمكن إما محاولة ترويضه بالتقشف الشديد وإما أن يُطلق لغرائزه العنان، ولا احتمال إذاً لقيامة الأجساد، بل إن مصيرها الهلاك.