مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-٧٧-

رسالتا بولس الرسول إلى تيموثاوس

 

(الجزء الثالث)

 

الأصحـاح الأول (تكملة ما سبق)

(٢) عن خدمة تيموثاوس في أفسس التي كلفه بها القديس بولس (1تي 1: 3-11):

يبدأ القديس بولس رسالته عن المهمة التي كلف بها تيموثاوس في أفسس، حيث كان القديس بولس في طريقه إلى مكدونية (وإن لم يتضمن سفر الأعمال شيئاً عن هذا الأمر). وواضح أن الظروف كانت تستدعي ذهابه وبقاءه هناك لمقاومة البدع والتعاليم المخالفة التي ينادي بها البعض والمثيرة للجدل (1تي 6: 4، 20، 2تي 2: 23) ولتفادي انقسام الكنيسة وفقدان سلامها.

وبينما غاية الوصية هي "المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء" فكان هناك من يقدم تعليماً آخر لا يؤدي إلا إلى الجدل العقيم الذي لا يسهم في "بنيان الله الذي في الإيمان". وهو يشير إلى "خرافات" (1تي 1: 4، 2تي 4: 4)، والمقصود أساطير الوثنيين وأفكارهم (مثل الغنوسية)، و"أنساب" أي الافتخار بالأصول والأسلاف وأفكار التهود ممن "يريدون أن يكونوا معلمي الناموس وهم لا يفهمون ما يقولون"، رغم "أن الناموس مقدس، والوصية مقدسة وعادلة وصالحة" (رو7: 12)، في الأساس، إن مورِس بروحه لا بحرفه. وأن النواهي والعقوبات التي في الناموس (وأيضاً التي في القوانين) ليست للأبرار السالكين في خوف الله، وإنما للأثمة والمتمردين للفجار والخطاة للدنسين والمستبيحين لقاتلي الآباء.. والأمهات.. والناس" (ضد الوصية السادسة)، "للزناة" (ضد الوصية السابعة)، "لسارقي الناس..." (تجار الرقيق والخاطفين من أجل الفدية واللصوص) (ضد الوصية الثامنة)، "للكذابين للحانثين" (ضد الوصية التاسعة التي تدين الشهادة الزور)، وكل ما يقاوم التعليم الصحيح.

(٣) القديس بولس يشكر الله على نعمته التي حولته من مجدف ومضطهد إلى رسول يسوع المسيح (1تي 1: 12-17):

أما التعليم الصحيح فهو ما يوافق "إنجيل مجد الله المبارك" (1تي 1: 11، 2كو 4: 4). وهنا يتحول القديس بولس إلى اختباره الشخصي، فيقول: أنه اؤتمن على هذا الإنجيل  (غل 2: 9) ويشكر الرب يسوع الذي قواه بنعمته (في 4: 13)، وحسبه أميناً كي يتولى هذه الخدمة، هذا رغم أنه كان قبلاً "مجدّفاً (يتكلم ضد المسيح)، ومضطهِّداً (لكنيسة المسيح)، ومفترياً (مغتراً بقوته بغير رحمة)" (أع 9: 1-3)، [كما ذكر ذلك قبلاً في رسالته إلى غلاطية (غل 1: 13)]، ولكن الله رحمه لأنه كان يعرف أنه فعل ذلك "بجهل في عدم إيمان".

بالفعل فإنه فيض نعمة([1]) الله الغامرة "مع الإيمان والمحبة التي في المسيح" التي صادفها من بعض أعضاء الكنيسة مثل حنانيا (أع 9: 10-19) وبرنابا الذي وقف معه رغم ارتياب وتخوف سائر أعضاء الكنيسة (أع 9: 26-28)، التي نقلته من الظلمة إلى النور ومن التجديف إلى الكرازة باسم المسيح (1كو 15: 10). هكذا يهتف معلمنا بولس: "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول: إن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم (رئيسهم chief) أنا" (1تي 1: 15).

ولأنه يدرك قدر الفارق بين ما كان عليه وما آل إليه، فهو لا يخجل من أن يكشف ماضيه الذي لا يقدر أن يتناساه (خطيتي أمامي دائماً مز 51: 3)، ويدرك حجم الضلال الذي كان فيه، فيرى نفسه بعد أن عرف المسيح أنه أول الخطاة، كما قال عن نفسه من قبل أنه بين الرسل "آخر الكل كأنه للسقط" ظهر له الرب "لأني أصغر الرسل، أنا الذي لست أهلاً أن أدعى رسولاً لأني اضطهدت كنيسة الله" (1كو 15: 8، 9).

ويقول أن الله رحمه "ليُظهر يسوع المسيح في أنا أولاً كل أناة مثالاً للعتيدين أن يؤمنوا به للحياة الأبدية". أي أنه إذا كانت نعمة الله غيّرت شخصاً عتياً مثله، واحتمل الله بكل أناة انحرافه وافتراءه، فبالأولى أن يجد سائر الخطاة رجاء في نعمة المسيح وأناته، بقبولهم لدخول الحياة الأبدية.

هذا يقوله القديس بولس الذي بذل نفسه حتى الدم، والذي طاف يكرز باسم سيده في العالم القديم من أورشليم حتى روما (وربما حتى أسبانيا)، ويقول عن نفسه مع هذا أنه أول الخطاة وأصغر الرسل وآخر الكل. فأي اتضاع وأي إيمان هذا.. أنه مثال الخادم الحقيقي لكل المؤمنين.

ويختم على الكلمات السابقة، كأنه يبتهل بالصلاة، يمجد الله "وملك الدهور (الملك الأبدي) الذي لا يفنى (لا يموت) ولا يُرى الإله الحكيم وحده(رو16: 27، يه 25)، له الكرامة والمجد إلى دهر الدهور. آمين" (1تي 1: 17).

(٤) حث على مقاومة الهرطقات (1تي 1: 18-20):

القديس بولس يستودع "الابن" تيموثاوس وصية محاربة كل انحراف بكل قوة "كجندي صالح ليسوع المسيح" (2تي 3: 3)، بحسب تكليفات (نبوات) قادة الكنيسة، مسنوداً بإيمان مستقيم وضمير صالح، الذي إن غاب من حياة أحد تنكسر سفينة إيمانه وتبتلعها أمواج العالم مثل هيمينايس (2تي 2: 17) صاحب ضلالة التعليم عن القيامة، والإسكندر (ربما هو إسكندر النحاس 2تي 4: 14) الذي أظهر للرسول بولس شروراً عظيمة، وعاقبهما القديس بولس بقطعهما من عضوية الكنيسة، فيتركهما للعالم ورئيسه إبليس يؤدبهما بالجسد لكي يرتدعا حتى لا يسقطان في التجديف([2]).   

 

الأصحاح الثاني

 

(١) طلب الصلاة من أجل الحكام والمسئولين (1تي 2: 1-3):

ثم يسوق معلمنا بولس توجيهاته للأسقف تيموثاوس فيما يتصل بأمور الخدمة، وفي المقام الأول يطلب "أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس". والطلبات يمكن أن توجه لله أو للناس، أما الصلوات والابتهالات (الالتماسات) فهي لله وحده، كما أن الشكر يقدم لله في كل وقت وعلى كل حال في الصلاة وبالقلب، ولكن يقدم أيضاً للناس تعبيراً عن التقدير للخدمة أو الموقف أو الكلمة.

وعلى سبيل التخصيص تقام صلوات إلى الله من أجل الملوك أي الحكام (سواء كانوا وثنيين أم مؤمنين)، وأيضاً كل من يتولي منصباً في الدولة([3])،  ليهبهم الله الحكمة في التصرف والعدل بين الناس، فيسود السلام في الداخل، ويمتنع الاضطراب والسخط والعداء والحروب مع الجيران، وهذا سينعكس على حياة المواطنين فيقضون حياة مطمئنة هادئة، وبالنسبة للمؤمنين حياة تسودها التقوى - أي السلوك بحسب الوصية - والوقار الذي هو ضد الخفة والتسيب وعدم الانضباط في التصرف (1كو 9: 25).    (يتبع)



([1]) "ولكن بنعمة الله أنا ما أنا" (أي ما أكونه أو ما أنا عليه) ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة، بل أنا تعبت أكثر من جميعهم ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي" (1كو15: 10).

([2]) هناك حالة سابقة مذكورة في رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس عن عقاب عضو الكنيسة الذي زنى مع امرأة أبيه، فكتب للكنيسة "باسم يسوع المسيح إذ أنتم وروحي (لأنه كان غائباً) مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح أن يسلّم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (كما حدث لأيوب- أي 2: 6، 7) والهدف عزله لتأديبه وإتابته وحماية لشعب المسيح (1كو 5: 1-8)، وبولس الرسول نفسه سمح الله أن يُعطي شوكة في الجسد، ويلطمه ملاك الشيطان لئلا ينتفخ بفرط الإعلانات، وكانت بركة لحياته "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2كو12: 1-10).

([3]) والقديس بولس أوضح في رسالته إلى رومية أهمية الخضوع للحكام والقوانين، لا خوفاً وإنما التزاماً بالضمير، ذلك أن "السلاطين الكائنة مرتبة من الله" فمقاومتهم هي مقاومة لترتيب الله، كما أن الحاكم هو "خادم الله بالصلاح" (رو13: 1-7)، ولكن الكتاب يطلب الصلاة حتى من أجل العنفاء من الرؤساء للتخفيف من غلوائهم وإعادتهم إلى صوابهم (1بط 2: 18).

---------------------------

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

   .‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045