مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-٧٨-

رسالتا بولس الرسول إلى تيموثاوس

 

(الجزء الرابع)

 

الأصحاح الثاني (تكملة ما سبق)

 

(٢) المسيح هو الإله والوسيط الواحد بين الله والناس (1تي 2: 4-7):

وبيّن القديس بولس أن هذا التوجه يُرضي "مخلصنا الله، الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون" (1تي2: 4)، وهو الذي أرسى قانون "ما لقيصر لقيصر" (مت22: 21، مر12: 17، لو20: 25). ومكتوب أنه "قد مات لأجل الجميع" (2كو5: 15) و "بذل نفسه فدية لأجل الجميع" (مت20: 28، مر10: 45، 1تي 2: 6) ذلك أنه "قد ظهرت نعمة الله المخلصة لجميع الناس" (تي 2: 11)، ولأن الله أحب العالم فخلاصه مقدم للجميع "لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو3: 16).

والمسيح المخلِّص إذ جمع في ذاته الله والإنسان يكون هو "الإله الواحد والوسيط الواحد بين الله والناس" (1تي2: 5). وقد سبق وكتب القديس بولس في رسالة رومية "المسيح هو الذي مات، بل بالحري قام أيضاً، الذي هو أيضاً عن يمين الله، الذي أيضاً يشفع فينا" (رو8: 34). ويكتب القديس يوحنا عن شفاعة المسيح الدائمة "إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً" (1يو 2: 1، 2) وقبل المسيح بأكثر من سبعة قرون، تنبأ إشعياء عن ذلك: "وهو حمل خطايا كثيرين وشفع في المذنبين" (إش 53: 12).

ولكن هذه الوساطة الفريدة تختلف عن صلوات القديسين من أجل من يطلبهم، أو صلوات المؤمنين بعضهم لأجل بعض. فشفاعة المسيح كفارية بدم الصليب، ودخول المسيح بذبيحته إلى الأقداس مرة واحدة فوجد فداءً أبدياً  (عب 12:9)، أما "شفاعة" القديسين وسائر المؤمنين فهي شفاعة التوسل التي ترفع الطلبات إلى العرش الإلهي صاحب الأمر، وإن سميناهم شفعاء تجاوزاً فالمسيح هو شفيع الشفعاء. وعندنا في توسل إبراهيم من أجل سدوم، وطلب العذراء من المسيح في عرس قانا الجليل (يو2: 3)، وطلب القديس بولس الصلاة من أجله (كو4: 3، أف6: 19، 1تس 5: 25)، أمثلة تبين أن شفاعة القديسين حقيقة كتابية كما تبين حدود فاعليتها، وأنها تعبر عن ثقتنا في محبة الله وتبرهن على محبتنا المتبادلة مع القريب (كو1: 3، أف 7: 18) "صلوا بعضكم لأجل بعض" (يع 5: 16).

ويقدم القديس بولس نفسه صاحب هذه "الشهادة" عن يسوع المسيح الإله الواحد (ضد الآلهة المتعددة المتناحرة للوثنيين) والوسيط الواحد الذي لا يشبهه في وساطته أحد لا في السماء ولا على الأرض، لا في الماضي ولا في المستقبل. وهو ليس الشاهد فقط لصدق هذه الحقيقة، بل الكارز الذي أعلن هذه الحقيقة المحورية للإيمان المسيحي، والرسول والسفير الذي يقدم يسوع إلى العالم، ثم المعلم الذي كرس نفسه لإيضاح الحقائق للأمم، وشرح أسس الإيمان والحق لهم، وإعداد الخدام لقيادة كنائسهم. وهو في هذا يقول الحق في المسيح ولا يدّعى ما ليس له (1تي 7,6:2).

 

(٣) عن السلوك الروحي للرجال والنساء (1تي 2: 8-15):

ثم يأتي القديس بولس إلى الجانب العملي في الإيمان المسيحي، وفي السياق نراه يلمّح إلى بعض السلبيات في سلوك أعضاء الكنيسة ويكتب من أجل المجاهدة ضدها واستبعادها فيوصي "أن يصلي الرجال في كل مكان رافعين أياديَ طاهرة" مجاهدين ضد الخطية وعادات الحياة الوثنية القديمة، وضابطين أنفسهم ضد الغضب والخصام والجدل النابع من الذات والخالي من المحبة، متذكرين كلمات الرب في هذا الصدد "إن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم" (مت6: 15) وهو يختم الصلاة الربانية، وأن "اذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك" (مت5: 24)، كما أن الجدل الحاد يسمم الحياة، ويمنع استقامة القلب، ويعوق الصلاة، أو على الأقل يجردها من صدقها فكأنها لم تكن.

وربما بلغ القديس بولس مغالاة بعض النساء في زينتهن بحسب الأنماط السائدة، وميلهن إلى الكلام في الكنيسة، وتطلعهن إلى المكان الأول(1) فأوصى "إن النساء يزيّن ذواتهن بلباس الحشمة مع ورع وتعقّل، لا بضفائر أو ذهب أو لآلئ أو ملابس كثيرة الثمن" (1تي2: 9). فالعبادة في الكنيسة ليست مجالاً للتفاخر بالغنى في الملابس والزينة سواء باستخدام الذهب واللآلئ، أو الإبهار في الهيئة بضفائر الشعر الطويلة اللافتة، فهذا ما لا يتفق مع كنيسة رأسها كان فقيراً، حتى أنه لم يكن له وأمه موضع في المنزل (لو2: 7)، وولد في مذود البهائم، وكل حياته لم يكن يملك شيئاً، وليس له أين يسند رأسه (مت8: 20). فمظهر المرأة المؤمنة ينبغي أن يليق "بنساء متعاهدات بتقوى الله في أعمال صالحة"، أي كمن وقّعن عهداً مع الله بحياة نقية ممتلئة بأعمال الإيمان الصالح.

وهو من ناحية يطالب المرأة أن تتعلم "بسكوت في كل خضوع"، وألا تعلّم أو تتسلط على الرجل.. ويبدو أن الأمر في الكنيسة كان قد تجاوز الحدود، فعمد إلى تفعيل أسبابه في أولوية الرجل في التعليم بأن "آدم جبل أولاً"، وأنه "لم يُغو ولكن المرأة أغويت". ولكنه عاد ليلفت النظر إلى دور المرأة البارز في الحياة، وهو الأمومة بتربية صغارها، ورعايتهم في الإيمان، وتقديمهم أعضاء جدداً في الكنيسة جسد المسيح، وهذا هو طريقها المؤدي لخلاصها، على أن تظل ثابتة بالطبع "في الإيمان والمحبة والقداسة"، مع التعقل أي عدم الانسياق وراء الأهواء وطياشة الأفكار.

على أن هذا الموقف للقديس بولس من المرأة يبدو متأثراً بالظروف الخاصة بكنيسة أفسس في هذا الوقت ولمواجهة الضعفات الطارئة فيها، لأن دور المرأة في كنيسة المسيح كان متميزاً، وفي بعض المواقف سبق الرجال. فبمريم العذراء التي من الناصرة كان ميلاد ابن الله المتجسد مخلص العالم، وكانت أقرب الناس إليه لمدة ثلاثين عاماً، وأن مريم المجدلية كانت أول من رأى رب المجد بعد قيامته قبل كل الرجال، كما كان الذين وقفوا عند الصليب ساعة آلام الرب أربعة نسوة (مت27: 56، مر15: 40، يو19: 25) وتلميذ واحد (يوحنا- يو19: 26). وفي الكنيسة الأولى كان بريسكلا (مع زوجها أكيلا) مبشران عظيمان، وهما من علّما أبلوس طريق الرب بأكثر تدقيق، وقاداه إلى معرفة الحق (أع18: 26)، وأشار بولس إلى أنهما موضع شكره بل وجميع كنائس الأمم (رو16: 3، 4). كما أن أفودية وسنتيخي، رغم اختلافهما، جاهدتا مع القديس بولس في الإنجيل (في 4: 2، 3)، وبنات فيلبس الشماس الأربعة كن يتنبأن (أع21: 9). وكان من حق المتقدمات في السن أن يعلمن (تي 2: 3). ومكتوب أن فيبي كانت مساعدة للقديس بولس وخادمة (شماسة) كنيسة كنخاريا (جنوب أثينا)، وأنها هي التي كتبت رسالة القديس بولس إلى أهل رومية، وهي التي حملتها إليهم.

وامتدح القديس بولس لوئيس جدة تيموثاوس وأفنيكي أمه، وأن تيموثاوس مدين لهما بإيمانه (2تي1: 5). وفي ختام رسالته إلى رومية يشير القديس بولس إلى سبع نساء تعبن كثيراً في الرب. على أن القديس بولس كشف أكثر من مرة عن أن كل المؤمنين، أمام المسيح وخدمته، هم سواء "ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (غل 3: 28، كو3: 11).

                                                                                                                (يتبع)

---------------------------

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045



(1)     هناك وصية مشابهة للقديس بطرس للنساء: "لا تكن زينتكن الزينة الخارجية، من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب، بل إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد، زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن" (1بط3:3، 4).