مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-٧٩-

رسالتا بولس الرسول إلى تيموثاوس

 

(الجزء الخامس)

 

الأصحاح الثالث

 

(١) شروط المرشح للأسقفية (١تي ٣: ١-٧):

ومن الوصايا الخاصة بحياة الشعب الروحية، ينتقل القديس بولس إلى أسس الرعاية الكنسية، بدءاً من الشروط الخاصة برسامة الأسقف([1]) Episkopos, Bishop ومعنى الكلمة الحرفي الناظر أو المشرف من أعلى، وهي رتبة أعلى من الشيخ أو القس Elder, Presbyter، وهي أقدم الرتب في الخدمة الكنسية (أع١٤: ٢٣، تي١: ٥) وإن كانت الرتبتان تستخدمان أحياناً بغير تمييز بينهما (١تي ٣: ١-٧، تي١: ٦-٩). والقديس بولس في رسالته إلى فيلبي يرسل تحياته إلى الأساقفة والشمامسة دون أن يذكر القسوس أو الشيوخ بما يعني أن الكلمتين الأسقف والقس - تكونا أحياناً مترادفتين.

ويذكر سفر الأعمال أن القديس بولس، في رحلته الأخيرة من آسيا إلى أورشليم، جاء إلى ميليتس واستدعى إليه قسوس أفسس (أع٢٠: ١٧)، وفي سياق حديثه قال لهم أن الروح القدس أقامهم أساقفة (بمعنى الوظيفة وليس الرتبة) ليرعوا كنيسة الله (أع ٢٠: ٢٨). فهنا القس والأسقف هما نفس الشخص. على أنه بزيادة أعداد القسوس في القرن الثاني وما بعده برزت في المجال الكنسي رتبة الأسقف الذي يشرف على القسوس وخدمتهم.

على أننا نلاحظ في هذا النص أن القديس بولس يكتب عن شروط الأسقف ويتبعها بشروط الشمامسة، فأين القسوس إذاً؟ بما يفيد أن الرسول بولس يستخدم كلمة الأسقف هنا للقس، خاصة أن تيموثاوس هو الأسقف (بمعنى الوظيفة) فهو لن يرسم أساقفة وإنما قسوساً يقومون بالنظارة والإشراف على الخدمة.

+ وفي البداية يجعل القديس بولس التطلع إلى تولي الكهنوت أمراً صالحاً طالما خلصت النيات، وأن يكون الهدف هو اشتهاء تكريس النفس لخدمة الله.

+ وأول الشروط أن يكون بلا لوم. أي نموذجاً للفضيلة في السلوك ليس فيه شائبة تشوه موقعه، وتتيح التقوّل عليه، بما يشين الخدمة وسمعتها، ويكون عثرة يتحمل وزرها.

+ وفيما يتعلق بحياته الزوجية أن يكون "بعل امرأة واحدة"، أي لا يكون له أكثر من زوجة. فتعدد الزوجات يشين العفة التى نادت بها المسيحية ويلقي بالظلال على السمعة. وكان لليهودي (أو الوثني) أن يتزوج بأكثر من زوجة، وكان له أن يطلق امرأته لكل سبب (مت١٩: ٨)، رغم أن آدم لم يكن له إلا حواء واحدة (تك ١: ٢٧، مت ١٩: ٤). وهذا المبدأ هو ما ساد في الكنيسة الأرثوذكسية فيما يتعلق بالكاهن، حتى إن توفيت زوجته ليس له أن يتزوج بأخرى. والكاهن المتزوج مؤهل للتواجد وسط عائلات شعبه بغير عثرة، ويدرك المشاكل الزوجية ويعرف كيف يتعامل معها([2]).

مع هذا فالاشتراط المذكور في النص هو على أحادية الزوجة (إن كان المرشح متزوجاً)، وليس على وجوب الزواج. وعندما نشأت الرهبنة في القرن الرابع رأى الآباء أن يكون الأسقف راهباً أو بتولاً، كي يكون مكرساً كلياً لخدمة الإيبارشية المتسعة بشعبها وكهنتها وشمامستها ولا تشغله أمور عائلته الخاصة (١كو ٧: ٣٢)، على أن يبقى الكاهن متزوجاً([3]).

+ وفي الصفات الشخصية، أن يكون الأسقف:

- "صاحياً" أي يقظاً واعي الذهن، و"عاقلاً" أي رزيناً متزناً ضابطاً حواسه متحكماً في رغباته وأهوائه وكلامه، و"محتشماً" أي وقوراً يستثير الاحترام، و"مضيفاً للغرباء" (رو١٢: ١٣، ١بط ٤: ٩) أي كريماً مفتوح القلب والبيت، يدرك مسئوليته ومسئولية كنيسته من نحو الوافدين الجدد، أو أعضاء الكنيسة الذين يأتون من أماكن بعيدة، أو حتى الفقراء والمعوزين سواء من أقربائه وأعضاء كنيسته، أو من غير المؤمنين، "صالحاً للتعليم" أي مؤهلاً له يحفظ كلمة الله ويفسرها ويختبرها مقدماً نفسه قدوة (تي٢: ٧) يبشر بها وبالتالي قادر أن يبشر بالكلمة ويبلّغها إلى مخدوميه.

- وألا يكون مدمناً للخمر، فالخمر كأي مادة هي جيدة، وكل الأشياء طاهرة (رو١٤: ١٩) و"كل خليقة الله جيدة" (١تي ٤: ٤) والمسيح في عرس قانا الجليل حول الماء إلى خمر جيدة (يو ٢: ١٠)، والكنيسة جعلته ضمن الأعياد السيدية الصغرى. والخمر تستخدم في الفصح وفي سر الإفخارستيا. وكانت الخمر المشروب الطبيعي في العالم القديم (قض ٩: ١٣، عا ٩: ١٤)، ولها فوائدها (أم ٣١: ٦)، ولكن الإكثار منه يجعله مسكراً يُفقد العقل ويذهب بالسمعة، ويصنع العثرة "الخمر مستهزئة والمسكر عجاج ومن يترنح بهما فليس بحكيم" (أم ٢0: 1)، ولا ننسى ما جرى لنوح الذي تعرى (تك ٩: ١٨-٢٧)، ولوط مع ابنتيه (تك ١٩: ٣٠-٣٨)، وأمنون مع ثامار (٢صم ١٣: ٢٨، ٢٩). والقديس بولس الذي أوصى تيموثاوس المريض بمعدته بأن يأخذ خمراً قليلاً (١تي ٥: ٢٣) كتب أيضاً إلى أهل أفسس "لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح" (أف ٥: ١٨). وحذّر من إعثار الآخرين (خاصة المبتدئين والمتشككين) بشرب الخمر، أو حتى بأكل اللحم المذبوح للأوثان "حسن أن لا تأكل لحماً، ولا تشرب خمراً، ولا شيئاً يصطدم به أخوك، أو يعثر، أو يضعف" (رو ١٤: ٢١) "إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحماً إلى الأبد لئلا أعثر أخي" (١كو ٨: ١٣). وهو أرسى عدداً من المبادئ في هذا المجال: "طوبى لمن لا يدين نفسه فيما يستحسنه وأما الذي يرتاب فإن أكل (أو شرب) يدان لأن ذلك ليس من الإيمان، وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية" (رو ١٤: ٢٣)؛ "الطعام لا يقدمنا إلى الله. لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص" (١كو ٨: ٨)؛ "كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق ... ليس كل الأشياء تبني ... ولكن لا يتسلط عليّ شيء" (١كو ٦: ١٢، ١٠: ٢٣)؛ "فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة" (أف ٥: ١٥، ١٩).

- ويتصل بعدم إدمان خادم الله الخمر ألا يكون ضراباً، فالضّراب هو من يخرج عن وعيه، وينتقل من الحوار بالكلمات إلى الضرب، مما يقع فيه المدمنون الذين لا يسيطرون على تصرفاتهم، بل أن يكون حليماً طويل الأناة كسيده، لا يخاصم ولا يصيح (مت ١٢: ١٩) فالجميع إخوته وأولاده ولا يمكن أن يكون خصماً لأحد منهم.

- وألا يكون محباً للمال فإن "محبة المال أصل لكل الشرور" (١تي ٦: ١٠)، وهي خطية مباشرة ضد تعليم الكتاب "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم" (١يو ٢: ٥)، ويتصل بها "الطمع بالربح القبيح" أي الحصول على المال بأي طريق. محبة المال عقبة كبرى في طريق الخدمة، وخيانة لشريعة المسيح ونهجه، وصاحبها لا مكان له في دائرة المسيح. المال وسيلة لخدمة الله والكرازة باسمه ومساعدة الفقير والغريب والأرملة واليتيم، أما التحول لعبادة المال فهو خروج عن الإيمان. وقد يبدأ الأسقف أو القس خدمته متعففاً مكتفياً، ولكن بمضي السنين، وتحت إغراء من يقدمون له المال، قد يقع في محبة المال التي لم يكن يعرفها. من هنا فلابد من التحفظ من محبة المال من البداية إلى النهاية، إضافة إلى التحفظ من خداع الشهوة وهو يتعامل مع النساء، صغاراً وكباراً، وإلا يسقط من النعمة.

- ويجب أن يكون نموذجاً يحتذى به على مستوى العائلة "يدبر بيته حسناً" ... فالمحبة المسيحية الباذلة تربطه بشريكة حياته، "وله أولاد في الخضوع بكل وقار" أي أنهم أتقياء تربوا حسناً، ويخضعون لوالديهم الذين يقدمون له الحب والرعاية. وبالطبع فإن نجاحه في تدبير بيته سيكون مؤشراً على تأهله للعناية بكنيسة الله.

- وأن يكون "غير حديث الإيمان، "أي أن يكون قد استقر في معرفة المسيح والإنجيل، ويفهم أساسيات الإيمان ويعلّمها، وأنه يحيا مسيحياً بغير تحفظ، فبغير ذلك يمكن أن يضلل الناس بتعليمه، وبسبب سطحيته وذاتيته يمكن أن ينتفخ بالكبرياء ويتصلف، ويمكن بسهولة أن يقع فريسة في يد إبليس.

- كما يجب أيضاً "أن تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج" أي من غير المؤمنين، بحيث تضمن الكنيسة حسن علاقتها بالوسط المحيط ومؤسسات الدولة. (يتبع(



([1]) في العهد القديم عيّن موسى سبعين رجلاً لمساعدته في رعاية الشعب (عد11: 16). وفي روما سُمى البرلمان مجلس الشيوخ (وهو اسم أحد مجلسي الكونجرس الأميركىThe Senate ).

([2]) والكنيسة تسمح برسامة الكاهن المتبتل في بعض الحالات.

([3]) ظلت الكنيسة الكاثوليكية لقرون طويلة تشترط البتولية في الكاهن، رغم النتائج السلبية والمصاعب التي يعاينها الكهنة ويشكون منها، ومطالب بعضهم أن يسمح لهم بالزواج بعد رسامتهم كهنة، واضطرار بعضهم إلى الخروج من خدمة الكهنوت من أجل الزواج. ولا يبدو أن هناك تغييراً في هذا النهج، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية سمحت بزواج الكهنة في المناطق التي يكون فيها كهنة الكنائس الأخرى السائدة متزوجين.