مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-٨٠-

رسالتا بولس الرسول إلى تيموثاوس

 

(الجزء السادس)

 

الأصحاح الثالث (تكملة)

 

(٢) عن الشمامسة (١تي ٣: ٨-١٣):

كلمة شماس أصلها سرياني، (ودياكون deacon أصلها يوناني) وتعني من يقدم الخدمات. ويعود تعيين شمامسة في الخدمة إلى الكنيسة الأولى، بعد أن زادت أعباء خدمة القديسين، وتصاعدت شكوى من إهمال أرامل اليونانيين "فدعا الاثنا عشر جمهور التلاميذ، وقالوا لا يُرضى أن نترك نحن كلمة الله ونخدم موائد، فانتخبوا أيها الإخوة سبعة رجال منكم، مشهوداً لهم ومملوئين من الروح القدس وحكمة فنقيمهم على هذه الحاجة" (أع ٦: ١-٣) وكان من بينهم استفانوس الذي كان يصنع عجائب وآيات عظيمة (أع ٦: ٥، ٨) وصار أول شهداء الكنيسة (أع ٧: ٥٤-٦٠)، وفيلبس مبشر السامرة (أع ٨: ٥-٨) والذي آمن على يديه وزير كنداكة ملكة الحبشة (أع ٨: ٢٦-٣٥) والذي حمل الكرازة إلى بلاده، واستقر فيما بعد في قيصرية وصارت له "أربع بنات عذارى كن يتنبأن" (أع ٢١: ٨، ٩) حيث أقام عنده بولس ورفاقه (بعد عودتهم من رحلته الثالثة) في طريقهم إلى أورشليم (أع ٢١: ٨).

وبتأسيس الكنائس في البلاد المختلفة صار للشماس نصيبه في الخدمة([1]) إلى جانب القسوس والأساقفة. والقديس بولس يفصّل هنا شروط الشماس بعد أن تعاظم دوره في الخدمة كمساعد للأسقف والقس "لأن الذين تشمسوا حسناً، يقتنون لأنفسهم درجة حسنة وثقة كثيرة في الإيمان الذي بالمسيح يسوع" (١تي ٣: ١٣). وفضلاً عن الشروط الروحية التي وضعها التلاميذ (أع ٦: ٣)، فالشماس يشارك الأسقف والكاهن الشروط المطلوبة في سلوكه الأخلاقي: "غير مولعين بالخمر الكثير (الشائع في ذلك الوقت)، ولا طامعين بالربح القبيح" فيقنعون بما توفره لهم الخدمة ولا يطلبون أكثر. والشمامسة لن يكونوا شباباً طائشين، وإنما "ذوي وقار لا ذوي لسانين dilogos". فلا مكان في كلامهم للزيف أو الالتواء أو النفاق أو الخفة. فهم يتعاملون مع كل شعب الكنيسة، وهم في كل خدمتهم يرضون سيدهم الذي في السموات قبل الكل. وعلى المستوى الروحي ومعرفة كلمة الله "فلهم سر الإيمان بضمير طاهر".

ومن الأهمية بمكان أن يجتاز المرشح للشموسية فترة اختبار للتأكد من جدارته، وأنه بلا لوم قبل رسامته، لتفادي النكسات وإعثار الكنيسة إن ظهر أنه لم يكن لائقاً لخدمته الجليلة.

ثم يذكر الرسول "النساء"، والسياق قد يشير إلى "زوجات الشمامسة" (أو ربما إلى "الشماسات" الذين يتعاملن مع النساء بالكنيسة وبالأخص في حفل عمادهن)، فيشترط أن يكنْ "ذوات وقار"، أي متماسكات وديعات، لا يعرفن الخفة والمرح الزائد والصخب، و"غير ثالبات" أي بعيدات عن النميمة والاغتياب والافتراء والثرثرة الفارغة، وأن يكن "صاحيات" أي متنبهات متأهبات لا يركنْ إلى الكسل والتراخي، و"أمينات في كل شيء" خاصة فيما لله وخدمته، أمانة في أداء الواجب، في تنفيذ التكليفات، في المحافظة على الوقت والمال والوعود.

وكما هو الحال مع الأسقف والقس، فالشمامسة يكونوا "كلٌّ بعل امرأة واحدة، مدبرين أولادهم وبيوتهم حسناً" ليكونوا جديرين بالخدمة في بيت الله.

(٣) عظيم هو سر التقوى (١تي ٣: ١٤-١٦):

كان القديس بولس يتصل بالكنائس التي بشرها وخدامها بالرسائل، ولكنه كان يسعى دوماً إلى افتقادها وجهاً لوجه على قدر ما تسمح الظروف. وهنا يشير في رسالته أنه يرجو أن يأتي لتيموثاوس في القريب، ولكن إن كان يبطئ فلكي يعلم كيف يجب أن يتصرف معتمداً على نعمة الله، ومكتسباً خبرة، ومتحملاً المسئولية التي وضعها عليه الله في خدمة بيت الله أي كنيسة الله الحي عمود الحق وقاعدته، والأمينة على الإيمان المسيحي الذي لخصه معلمنا بولس في هذا النص، الذي كان جزءاً من أحد ترانيم الكنيسة الأولى: "وبالإجماع عظيم هو سر التقوى - عهد الله الجديد: "الله ظهر في الجسد"، نسل المرأة الموعود به جاء وسحق رأس الحية القديمة، وصنع خلاصاً هذا مقداره لكل من يؤمن، "تبرر في الروح (وربما تعني أن المسيح لم يفعل خطية وأنه كان باراً بقوة الروح الذي يملأه، وأن الروح كشف عن بره ولاهوته بقيامته المظفرة، بعد هوان الصليب وخضوعه للموت)، "تراءى لملائكة" كانت حوله بدءاً من البشارة به إلى يوم مولده، وفي ذهابه وعودته من مصر، ويوم التجربة على الجبل، وهو يصلي في جثسيماني، ويوم قيامته، ويوم صعوده، وهو لم يأتِ لليهود وحدهم وإنما جاء للعالم كله: فكرز تلاميذه ورسله به بين الأمم، وآمن العالم به، ولما أكمل مهمته صعد إلى السموات ورُفع في المجد الذي كان له قبل تأسيس العالم جلس عن يمين أبيه.

 

الأصحاح الرابع

(١) مقاومة البدع (١تي ٤: ١-١١)

يعود القديس بولس إلى ما بدأ به رسالته (١: ٣-١٠) مشيراً إلى الارتداد عن الإيمان كأحد علامات الأزمنة الأخيرة([2]) وذلك بتأثير "أرواح مضلة وتعاليم شياطين"، ويصف المرتدين بالموسومة (أي المختومة) ضمائرهم (كالعبيد والبهائم) بعمل الشيطان فيستحلون الكذب والرياء، ويرفضون شريعة الزواج وتقديسه بحسب الإيمان المسيحي والالتزام الزوجي الأمين ويستبيحون حرية العلاقات بغير التزام لاشباع شهوات الجسد كما يمنعون تناول أطعمة بعينها بينما في الأصل أن "كل خليقة الله جيدة" (١تي ٤: ٤) وأن ما طهره الله لا يدنسه الإنسان (أع ١٠: ١٥) و"إن ليس شيء نجساً بذاته" (رو ١٤: ١٤) وأن "كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهر بل قد تنجس ذهنهم أيضاً وضميرهم" (تي١: ١٥) ([3]).

فالله خلق لنا قبل أن نوجد الأطعمة لكي نتناولها شاكرين قانعين، ولا نرفض منها شيء كعارفي الحق كأنه نجس أو رجس فهي كلها تقدس بكلمة الله والصلاة، هذا هو كلام الإيمان التعليم الصحيح، أما ما يقال غير ذلك فهو نابع من "خرافات دنسة عجائزية" كثرثرة العجائز الذي لا يجدون شيئاً يقولونه، ولا يستحق غير الرفض وعدم الاهتمام.

ثم يعرج على مقارنة طريفة بين رياضتين: فالرياضة الجسدية بأنواعها ليست مرفوضة، ولكنها "نافعة لقليل" أي في حدود الجسد إذا قورنت بالرياضة الروحية للتقوى (الورع) أي الاهتمام بالعبادة والتوبة وحفظ كلمة الله وحدمة الآخرين فهذه "نافعة لكل شيء إذ لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة" فهي تمنح السلام والفرح واحتمال الآلام وغلبة التجارب خلال حياتنا على الأرض، وهي تحفظ لنا نصيبنا الأبدي في ملكوت الرب.

وهو يختم هذا الجزء من تعليمه بالعبارة: "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول" التي كما تصلح للبدء (١تي ١: ١٥) تصلح أيضاً للختام. بمعنى أن كل ما نقوله هو الصدق الذي يستحق أن نقبله ونتبعه. ويشير إلى أن ما يسنده، وكل خادم، في قبول الأتعاب والتعيير هو رجاؤه على الله الحي مخلص جميع الناس (فرسالته هي للعالم كله) ولكنه يصير مخلصاً بالفعل لكل الذين آمنوا به.

       (يتبع)



([1]) وفي الأجيال التالية صارت هناك رتباً مؤهلة للشماس الكامل (ذياكون) مثل القارئ (أناغنوستوس) ومساعد الشماس (ابيذياكون)، كما أنشئت رتبة رئيس الشمامسة (أرشيدياكون).. وهؤلاء كلهم بالغين وليسوا صغاراً. وصار للصغار رتبة المرتل (أبسالتس) والذي يشارك في ألحان الليترجية مع الشعب.

([2]) وهو ما أشار له من قبل في رسالته الثانية إلى أهل تسالونيكي (2تس 2: 2-12)، وما سبق أن أخبر به الرب (مت 24: 11، مر 13: 6).

([3]) وقد قامت في كورنثوس من قبل قضية الأكل مما ذبح للأوثان. فبعض المؤمنين لا يبالي على أساس أن الوثن وهم "وأن ليس إله آخر إلا واحداً" (1كو 8: 4)، ولكن أصحاب الضمير الضعيف يرى هذا اللحم نجساً ولا يقترب منه. ومع أن الرسول قال للجميع أن "الطعام لا يقدمنا إلى الله. لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص" (1كو 8: 8) إلا أنه حذَر الأقوياء الفاهمين من إعثار المتشككين من أجل المحبة "لا تهلك بطعامك ذلك الذي مات المسيح لأجله" (رو 14: 15، 1كو 8: 11)، بل وصل به الأمر إلى القول "لذلك إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحماً إلى الأبد لئلا أعثر أخي" (1كو 8: 13).

-----------------

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.