مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-٨١-

رسالتا بولس الرسول إلى تيموثاوس

 

(الجزء السابع)

 

الأصحاح الرابع (تكملة)

(2) التعليم والقدوة (1تي 4: 12-16)

يحث القديس بولس تلميذه تيموثاوس على النمو في خدمته ليكون تقدمة طاهراً لشعبه بأن يعكف على القراءة في الكتب المقدسة والتعلّم والمداومة على ذلك. فوظيفة المعلم خطيرة لأنه ليس فقط لنفسه وإنما هو للمخدومين أيضاً. ونجاحه ليس في خلاصه وحده وإنما في خلاص شعب كنيسته أيضاً. ويُبين أن أدواته لخدمة شعبه مزدوجة: التعليم والقدوة.

كان تيموثاوس صغير السن (ربما في الثلاثين)، ولكنه كان خادماً مُتحمساً مُحباً للرب، وربما كان يرى شبابه نقطة ضعفه وقد يستخف بمسئولية قيادته وها هو معلمه يستثير فيه ثقته بقدراته رغم صغر سنه (وربما يرسل رسالة إلى الذين قد يستهينون به لحداثته)، ليقول له رغم كل شيء أنت المتقدم والمُعلم في هذه الكنيسة... ولكي يبلغ تعليمك تأثيره فلتكن أولاً قدوة لهم في الكلام (كلام البنيان المُتشح بالأدب واللطف والاستقامة)، في التصرف (بالحكمة والوداعة والأناة والهدوء والاحتمال بغير غضب أو خصام)، في المحبة (فأنت للكل الأب والأخ بغير تمييز، وبالمحبة أنت قادر أن تأسر حتى من يُعادونك ولو بغير سبب)، في الروح (فاهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام رو8: 6)، والسلوك بالروح هو ربح المؤمن الحقيقي الذي به يغلب أعمال الجسد)، في الإيمان (في الالتصاق برئيس الإيمان ومكمله يسوع، وتتميم الخلاص بخوف ورعدة، في حفظ كلمة الله، في التطلع للميراث الأبدي وفك الارتباط مع العالم الحاضر)، في الطهارة (وسط عالم الفساد الوثني تكون طهارتك هي النموذج للشباب مثلك وللكبار أيضاً، فقدوتك تسند تعليمك عن الطهارة)، وسبق للقديس بولس قوله "صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوماً" (1كو9: 22).

وفي جانب التعليم يحث الرسول بولس تلميذه أن يلاحظ نفسه عاكفاً على التلمذة بكلمة الله (وهو منذ طفولته يعرف الكتب المقدسة 2تي3: 15) فيصير وعظة مصلحاً بملح، وأن الموهبة التي نالها بوضع اليد عليه أن ينميها بالقراءة والمداومة على التعلّم. وهو الكلام الذي يوجهه لكل خادم للكلمة في كنيسة الله من الأسقف إلى أصغر مؤمن.

 

الأصحاح الخامس

 

(1) التعامل مع الشيوخ والعجائز والأرامل (1تي 5: 1-16):

+ كيف يقوّم الأسقف الشاب شيخاً؟ حتى لو لم يكن هناك فارق في السن فاللوم والانتهار مهمة ثقيلة، كما أنه أمر مهين يصعب على كبار السن احتماله. من هنا كان واجباً على القديس بولس أن يشير على تيموثاوس كيف يتصرف في هذه الحالة. وهو نهاه أن يلجأ إلى الزجر الذي يعقّد الموقف، وإنما أن يستخدم روح الإنجيل وكلماته مع توقير الكبار فيقول له "عظه كأب" وهكذا يسّر له الطريق إلى قلبه، وبالتالي ساعده على التراجع عن خطئه دون أن تتأثر علاقته به.

+ وسيكون التعامل أسهل مع الأحداث القريبين له في السن، ولكن عليه أيضاً ألا يتعالى عليهم وإنما أن يعاملهم كإخوة فيكتسب محبتهم وإن كانوا قد أخطأوا فيقودهم إلى التوبة ويديم ارتباطهم بالكنيسة.

+ وبالنسبة للنساء، فبنفس المنطق عليه أن يتعامل مع العجائز كأمهات، كما كان يفعل القديس بولس حين دعا أم روفس (زوجة سمعان القيرواني) أمه (رو16: 13)، والحدثات كأخوات، متحفظاً ملتصقاً بالعفة في التعامل معهن لتفادي العثرة وتشويه الخدمة، هكذا أضاف "بكل طهارة".

+ أما عن الأرامل اللائي مثلّن قطاعاً يُعتد به في الكنيسة: فهن إما فقدن العائل ويعانين الأمراض والوحدة وبالتالي تهتم الكنيسة بإعالتهن، وإما هن يخدمن في الكنيسة خاصة بين النساء، على أن بعضهن من صغيرات السن كنّ يمثّلن مشكلة بالنسبة للكنيسة. فبدأ القديس بولس توجيهاته بأن تكرم الكنيسة ذات الأعباء الكثيرة والإمكانات المحدودة فقط من "هن بالحقيقة أرامل" أي الأرملة الوحيدة التي لا رجاء لها غير الله، والمؤمنة التقية التي "تواظب الطلبات والصلوات ليلاً ونهاراً (كحنة بنت فنوئيل العابدة في هيكل أورشليم لو2: 36، 37)، أما الأرملة المتنعمة المُحبة للعالم ومباهجه غير الملتزمة بالإنجيل وتحيا حسب الجسد "فقد ماتت وهي حية" (1تي 5: 6). فبحسب الكتاب أن اهتمام الجسد هو موت، "لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون" (رو8: 6، 13)، فهذه لا تدخل في عداد الأرامل اللاتي تهتم بهم الكنيسة.

كما أن الأرملة التي لها أقارب: أولاد أو أحفاد، فهي في المقام الأول تكون في رعايةهؤلاء الذين ينبغي أن يتعلموا "أن يوقرّوا أهل بيتهم" بحسب الوصية الخامسة (خر20: 12، مت 15: 4، لو 18: 20، أف 6: 2) و"يوفوا والديهم المكافأة" أي يسددوا الدين الذي عليهم لمن أنجبوهم وأحبوهم وربوهم وأعتنوا بهم كل السنين. فهذا الوفاء ورد الجميل "صالح ومقبول أمام الله": أما "إن كان أحد لا يعتني بخاصته([1]) ولاسيما أهل بيته فقد أنكر الإيمان" فهو بكل إرادته كاسر لأكثر من وصية، وسبب عثرة للكنيسة([2])، بل هو "شر من غير المؤمن" لأن هذا الأخير معه بعض العذر لأنه لم يتمتع بمعرفة الله وكمال وصاياه.

ولتنظيم خدمة الأرامل (التي من أجلها أقامت الكنيسة الأولى الشمامسة السبعة (أع6: 1-4) طلب القديس بولس أن يتم تسجيل أسمائهن في الكنيسة بحسب الشروط التالية: أن تكون قد تجاوزت سن الستين (فلا احتمال أن تتزوج)، وأن تكون قد تزوجت مرة واحدة، وأن تكون قد انشأت أولادها نشأة صالحة، وكمسيحية تحيا الإنجيل تكون قد اتّبعت كل عمل صالح "أضافت الغرباء" ("كنت غريباً فآويتموني" مت 25: 35)([3])، و"غسّلت أرجل القديسين"([4]) و"ساعدت المتضايقين" أي اعتنت بالفقراء والمرضى والأيتام.(10)

وبالتالي فالأرامل الحدثات لا مكان لهن في هذه الخدمة. لأنه حتى لو تعهدن بعدم الزواج فقد يحنثن بهذا التعهد ويبطرن على المسيح ويردن أن يتزوجن. فالعمل في ذلك الوقت لم يكن متاحاً للمرأة فهي إما أن تتزوج أو تضطر للانحراف إلى طريق الشر. ويبدو أنه ثارت مشاكل لهذا السبب. فالأرامل صغيرات السن الذين لا يشغلهن شيء كن يقتلن الفراغ باللهو والثرثرة والاغتياب وكلام الهذر، يتنقلن من بيت إلى بيت حتى ينتهي النهار، يغلبهن الفضول والتدخل في حياة الآخرين والتكلم بما لا يجب بل إن "بعضهن قد انحرفن وراء الشيطان". وبالتالي فمن الأفضل تشجيعهن على الزواج والانشغال بأعظم رسالة: تكوين عائلة متماسكة فيربين أولادهن ويدبّرن بيوتهن وهكذا نتفادى مشاكل وعثرات كثيرة، ولا نتيح علة لتدخل إبليس وفتح مجالات لانتقاد الكنيسة والتشهير بها من غير المؤمنين.

فالمهمة ثقيلة وتحمّل الكنيسة أعباء كثيرة مادية وروحية، وبالتالي فعلى المؤمنين أن يسهموا في مساعدة الكنيسة بأن يهتموا إن أمكنهم بالأرامل ضمن العائلة ولا يثقلوا على الكنيسة، بحيث توفّر جهدها لمساعدة "اللواتي هن بالحقيقة أرامل". (يتبع)

---------------------------

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045



([1]) هذه تشمل حتى العبيد والخدم وكل من في البيت.

([2]) يوماً سيكبر هؤلاء العاقون ويصيروا آباءً لهم أولاد، فالذين أهملوا منهم والديهم قد يذوقون نفس الكأس. فلنحذر.

([3]) فالحياة في ذلك الزمان لم تكن ميسورة بوسائل الاتصال والانتقال، وتكون محنة للغريب عندما يحل عليه الظلام في غير بلدته، فكانت بيوت المؤمنين هي الملاذ للمؤمن الغريب.

([4]) ففي غياب وسائل الانتقال كان السير لمسافات طويلة هو الطبيعي، وكان غسل أقدام الضيف المتسخة من الطريق تعبيراً عن الإكرام، وهي كانت أصلاً مهمة العبيد حتى مارسها المسيح بنفسه مع تلاميذه لتصبح خدمة الاتضاع يمارسها أتباعه. وهي كانت ممارسة متبعة في الأديرة القبطية.

(10) بحسب ما جاء فى قوانين هيبوليتس، كانت رتبة الأرامل نظاما كنسيا، وكان الانخراط فيها يتطلب شروطا واختبارا دقيقا، كأن تكون قد تجاوزت الستين ومضى زمان على موت الزوج، وحياتها تشهد بالتقوى وخدمة الله، ولكن بغير رسامة كنسية أو وضع يد لأنها لا ترفع القرابين ولا تشترك فى الخدمة الليتورجية، فهى مُقامة لأجل الصلاة العامة، وخدمتها فى معظمها هى مع النساء.

أما الشمّاسة فهى رتبة مذكورة فى الدسقولية "لأجل خدمة النساء" فتهيّئهن للمعمودية، وفى المنازل وليس فى الكنيسة. وهى قد تكون عذراء أو أرملة تزوجت مرة واحدة.