مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-72-

رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل تسالونيكى

 

(الجزء الأول)

 

الأصحـاح الأول

1 - شكر الله على نمو إيمانهم (1: 1-4):

تتصل رسالة القديس بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي([1])، كما ذكرنا من قبل+، اتصالاً وثيقاً بالرسالة الأولى، وهي توضح بعض ما كان غامضاً في رسالته الأولى فيما يتعلق بالمجيء الثاني للرب وأُسيء فهمه.

وهو يبدأها بنص الكلمات تقريباً، ويشرك معه في تقديم الرسالة رفيقيه في خدمة كنيسة تسالونيكي: سلوانس (سيلا) وتيموثاوس الشاب (أع17: 4)، ويسأل أن تفيض عليهم النعمة والسلام من الله الآب والرب يسوع المسيح.

ثم يكتب كلمات التشجيع والمساندة لكنيسة ناشئة جاءته أخبارها ممن خدموها، وتتربص بهم قوى المقاومة والاضطهاد من أجل هز إيمانهم وإعادتهم إلى حياتهم القديمة، فيقدم الشكر لله موصولاً وواجباً على:

+ نموهم في الإيمان ومعرفة الرب برهاناً على حيويته وفاعليته؛

+ وازدياد محبة كل منهم إلى الآخر وخدمتهم بعضهم بعضاً، أي أن إيمانهم لم يكن شكلياً ولكنهم مارسوه عملياً وكانت أولى علاماته محبتهم المتصاعدة لله وللقريب؛

+ وصبرهم واحتمالهم للاضطهادات والضيقات التي أحاطت بهم من السلطات ومن مواطنيهم الذين صاروا أعدائهم، وأيضاً من اليهود سواء من يقاومون الكرازة بالمسيح (أع17: 5)، أو ممن آمن منهم ولكنهم لازالوا يتمسكون بتراثهم وميراثهم القديم، ويطالبونهم بتبني الأسس الناموسية مثلهم. وهو يفتخر بهم أمام سائر الكنائس التي يخدمها من أجل إيمانهم ومحبتهم وصبرهم.

2 - تشجيعهم على احتمال الآلام والثقة في عدل الله (1: 5-12):

وهو يعزيهم ويشجعهم على الصمود ومواصلة المسير، موجهاً أنظارهم إلى الله القاضي العادل الذي لابد مجازيهم عن آلامهم، من أجل الإيمان به، بالراحة الأبدية في ملكوت السموات عند "استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته" (1: 7) "متى جاء ليتمجد في قديسيه" (1: 10)، في نفس الوقت فأنه في عدله سيجازي الذين لم يطيعوا إنجيل الخلاص، فضايقوا المؤمنين واضطهدوهم، بهلاك أبدي "في نار لهيب معطياً نقمة للذين لا يعرفون الله" (1: 6-9).

ويواصل: وسيكون مجيء الرب وقضاؤه العادل برهاناً على صدق شهادتنا عندكم وعمل الرب العجيب بينكم. من هنا فنحن نصلي من أجل ثباتكم كي يؤهلكم الرب إلهنا بدعوته ويكمل عمل الإيمان فيكم بقوة "لكي يتمجد اسم ربنا يسوع المسيح فيكم وأنتم فيه بنعمة إلهنا والرب يسوع المسيح" (1: 11، 12).

 

الأصحـاح الثانى

1 - عن مجيء الرب الثاني (2: 1-12):

ثم يأتي إلى الهدف الرئيسي من إرسال هذه الرسالة الثانية بعد فترة قصيرة من رسالته الأولى، وهو تقديم إيضاحات وعلامات تسبق مجيء الرب، كي لا يخدعهم أحد بأية وسيلة (لا بروح ولا بكلمة ولا برسالة زائفة كأنها منا) بأن مجيء الرب على الأبواب كي يزعزع إيمانهم ويروّعهم، فهو لم يقل يوماً أن مجيء المسيح قريب وهو ما فهمه البعض وأدى ذلك إلى نتائج سلبية كثيرة في سلوك الكثيرين.

وهو يشير إلى علامة كبرى وهي: الارتداد الذي يأتي أولاً، ويصاحبه ظهور ما يسميه (1) إنسان الخطية([2])، (2) ابن الهلاك، (3) المقاوم، (4) والمرتفع على كل ما يدعو إلهاً أو معبوداً([3]) حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله، مظهراً نفسه أنه إله([4])، (5) الأثيم، (6) الذي مجيئه بعمل الشيطان (الشرير، الكذاب وأبي الكذاب، الذي هو وراء خطط المقاومة والعداء الأخيرة) وبكل خديعة الإثم.. مسلحاً بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة.

وبالطبع سيصدقه فقط الهالكون الذين لم يقبلوا أصلاً محبة الحق (1بط1: 1، 2) حتى يخلصوا، وفي ضلالهم وتخلي الله عنهم سيصدقون الكذب رغم وضوحه. وبينما سيدان "جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سرّوا بالإثم" (2: 12)، فإن الأثيم ابن الهلاك "يبيده (الرب) بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه" (2: 8).

والقديس بولس يذكرهم بأنه قال لهم هذا في عظات السبوت، التي كلمهم بها عندما كان معهم (أع 17: 1-4). وأن لكل شيء تحت السماء وقتاً، وأن هذا كله محجوز بكلمة الله وقوته إلى أن يأتي الوقت المعين لظهوره، وأن ما يعمل الآن هو "سر الإثم" بعمل الشيطان إلى أن يُستعلن الأثيم. وفي المعركة الأخيرة فالله القادر على كل شيء يسود على الكل، والمؤمنون يتمتعون بنصرته.

                                                                                                                               (يتبع)

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.



([1]) اسمها الأصلي "ثرماي" ومعناها الينابيع الحارة، وهي ميناء استخدمه أحشويرش الملك الفارسي كنقطة انطلاق عند غزوه أوروبا. وظلت ميناءً هاماً تحت الحكم الروماني، وأعاد بناءها كاسندر وسماها تسالونيكي المشتق من تساليا زوجته وهي أخت الإسكندر.

(+) راجع الجزء الأول من الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكى فى خطاب مايو 2014، ويمكن أيضا الاطلاع عليها فى هذا الرابط: http://smofarchives.org/SMOF/1ThessaloniansP1.doc

([2]) نستعد هنا كلمات الرب عن بعض علامات النهاية وتحذيره منها "لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً" (مت24: 24، مر13: 22). كما أن القديس يوحنا يكتب "وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون. من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة..... هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الآب والابن" (1يو2: 18، 22)، "لأنه قد دخل إلى العالم مضلون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتياً في الجسد. هذا هو المضل والضد للمسيح" (2يو 7)، "كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله. وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي والآن هو في العالم" (1يو4: 3).

([3]) هذه الكلمات تستدعي ما ذكره النبي دانيال من صفات عن أنطيوخس ابيفانس "يرتفع ويتعظم على كل إله ويتكلم بأمور عجيبة على إله الآلهة... ولا يبالي بآلهة آبائه.. وبكل إله لا يبالي لأنه يتعظم على الكل" (دا 11: 36، 37).

([4]) في الماضي، دنس أنطيوخس ابيفانس هيكل أورشليم بأن أقام مذبحاً للإله زيوس في مقادسه، كما أن كاليجولا في العهد الجديد نصب لنفسه تمثالاً في الهيكل، وكلاهما ادّعى الألوهية لنفسه!

_____________________________________________________________________________

 

ميلاديات

من أقوال القديس كيرلس الكبير عن التجسد
السر الحاصل في المسيح صار لنا بدايةً وطريقاً لاتحادنا بالله

[الابن الوحيد الذي أشرق علينا من نفس جوهر الله الآب، والذي له في صميم طبيعته الآب الذي وَلَدَهُ، قد صار جسداً بحسب الكتب، ومزج نفسه بنوعٍ ما بطبيعتنا متحداً بهذا الجسد الأرضي اتحاداً لا يُنطَق به. وهكذا الذي هو إله بطبعه قد دُعيَ وصار بالحقيقة إنساناً سماوياً لكي يوحِّد بنوعٍ ما في نفسه الشيئَين المفترقَين جداً عن بعضهما البعض بحسب الطبيعة والمتباعدَين جداً عن أي تجانس بينهما (أي اللاهوت والناسوت)، حتى يرفع بذلك الإنسان إلى مشاركة الطبيعة الإلهية. فقد وصلت إلينا نحن أيضاً شركة الروح القدس وحلوله، وقد ابتدأت بالمسيح وفي المسيح أولاً لمَّا صار مثلنا، أي إنساناً، ومُسح وقدَّس نفسه، مع كونه إلهاً بطبعه... إذن فالسر الحاصل في المسيح قد صار لنا مثل بدايةٍ وطريقٍ لاشتراكنا في الروح القدس ولاتحادنا بالله]                                                    تفسير إنجيل يوحنا 17: 20و21